
إمام جمعة العمارة يسلط الأضواء على ظاهرة الانحراف وخطورتها
تقرير:عباس العطواني
تصوير:رائد الذهيباوي
سلط إمام وخطيب صلاة المباركة في مدينة العمارة سماحة الشيخ كامل الدراجي(دام توفيقه) الأضواء على ظاهرة خطيرة وهي ظاهرة الانحراف بعدة نقاط نذكر منها:-
أولاً:الانحراف ماذا يعني؟ الانحراف يعني العدول من الحقيقة إلى غيرها ومن الصواب إلى الخطأ،وقد يكون الانحراف في الأفكار كمن كان يعتقد إن الإسلام هو الحل الوحيد لحل مشاكل الأمة ولكنه نتيجةً الظروف ونتيجةً لما يحدث في الشارع يعدل عن هذه الفكرة ويقول لا الإسلام ليس هو الحل حاله حال البقية.وقد يكون الانحراف في السلوك والأفعال كمن كان يعمل قربةً إلى الله تبارك وتعالى ثم دخلت في نيته شوائب الرياء وحب الدنيا من المنصب وغيره،فالانحراف يبدأ من هذه النقطة وهي أنه يعدل من الحق إلى غيره والعدول قد يكون عدولاً كبيراً كمن يفتح عينيه ويقول أنا كنت أشهد أن لا إله ألا الله والآن تركت ذلك وقد يبدأ الانحراف بسيطاً،فالانحراف سواء كان فكرياً أو سلوكياً غالباً ما يبدأ بصورة بسيطة وجزئية جداً بحيث لا يمكن أن تلاحظ وغير مهمة فلهذا الفرد نفسه يهمل علاج نفسه ويقول أنا لم أفعل شيء،ولكن الانحراف يأخذ في الاستفحال شيئاً فشيئاً حتى يبلغ درجة لا يمكن أن ينفع معها علاج وهنا تكمن خطورة الانحراف لأنه شيء جزئي،لأن الشخص يكون في حالة مستمرة من التسافل دون أن يلتفت إلى نفسه وربما يتصور أنه على حق وأنه لا زال مستقيماً والحال أنه أصبح في وادي والحق في وادي آخر.فالانحراف قد يكبر ويكبر حتى يستحق صاحبه الخلود في جهنم.
ثانياً:لقد أثبت من خلال التجارب وأكده علماء النفس والاجتماع ان في طبيعة النفس البشرية يوجد ميل إلى الانحراف ولا تكاد توجد نفس الا وفيها هذا الميل بصورة كبيرة أو صغيرة وبصورة مباشرة أو غير مباشرة ولهذا قال الشاعر:
وبعبارة دقيقة في كل نفس بشرية يوجد مقتضي للانحراف ما خلا المعصومين(عليهم السلام).فإذا كان الحال هذا فيجب على كل إنسان أن يراقب نفسه وأن يزنها بميزان الحقيقة دائماً لكي يطمئن على نفسه من الانحراف وأستطيع أن أقول أن أول خطوات الانحراف هو أن تحتسب إنك بمأمن من الانحراف إذ أن الشعور بالاستقامة يدعو إلى إهمال المراقبة والإصرار على المواقف وعدم قبول النصيحة وهذا السبب الذي جعل المؤمنين يخافون سوء العاقبة ويسألون الله تبارك وتعالى حسنها،قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):(لا يزال المؤمن صائباً من سوء العاقبة لا يتيقن الوصول إلى رضوان الله تبارك وتعالى حتى يكون وقت نزع روحه وظهور ملك الموت له).المؤمن يخاف الانحراف لأنه يوجد فيه مقتضي ويوجد فيه سبب يمكن أن ينحرف في أي لحظة.
ثالثاً:أن الانحراف كما يصيب الفرد الصالح فيتحول والعياذ بالله إلى فرد ضال منحرف كذلك يصيب الأمة بكاملها فتنحرف الأمة وتكون هذه الأمة أمة منحرفة وقد يصيب شريحة واسعة من الأمة في بداية أمرها تكون على حق ولكنها تنحرف شيئاً فشيئاً،فقد تنحرف العشيرة وقد ينحرف الحزب وقد ينحرف التجمع وقد تنحرف الحكومات والمؤسسات والتيارات والحركات ولا يوجد شيء من هذه التجمعات له العصمة وله الأمان من الانحراف والتاريخ على ذلك من الشاهدين.
فعلى المستوى الفردي يروي لنا التاريخ قصة بلصيص وبلعم بن باعورا كيف كانا مستقيمين ولكنهما انحرفا في نهاية الأمر فأنهدم كل عملهم الصالح لأنه كما قال(صلى الله عليه وآله وسلم):(أن العبد ليعمل عمل أهل الجنة فيما يرى الناس وأنه لمن أهل النار،وأن العبد ليعمل عمل أهل النار فيما يرى الناس وأنه لمن أهل الجنة،وإنما الأعمال بالخواتيم) وقال(صلى الله عليه وآله وسلم):(الأعمال بخواتيمها).
فمن ختم حياته وهو بعيد عن الانحراف عقيدةً وسلوكاً فهو على خير حتى ولو كانت بدايته منحرفة وضالة.
في التاريخ إن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مر على يهودي وهو يحتضر فجلس عنده(صلى الله عليه وآله وسلم) قال يا هذا قل أشهد أن لا إله الا الله وأن محمداً رسول الله.فقالها الرجل ومات،فقال(صلى الله عليه وآله وسلم) لمن حوله أحملوا جنازة أخيكم.ثم قال(صلى الله عليه وآله وسلم) رافعاً يديه إلى السماء الحمد لله الذي هدى بي نسمة في مثل هذا اليوم.
فعلينا أن نعالج الانحراف كما عالجه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأن نبين للمنحرف الحق من الباطل.
أما أمثلة الأمم المنحرفة فهي كذلك كثيرة وخير شاهد على ذلك الأمة المسيحية فقد كانت في أيام المسيح(عليه السلام) الأمة الوحيدة الداعية إلى التوحيد وإلى الإيمان بالله عزوجل ولكنها انحرفت في النهاية حتى صارت كما هي اليوم مجموعة من الأوهام والخرافات.
ودونكم الحركات والأحزاب في ساحتنا الإسلامية فأكثرها وكم منها كانت بدايتها صالحة وجيدة ولكنها آلت إلى نهاية منحرفة فضلت وأضلت،وهنا يجب على الإنسان كما يراقب نفسه من الانحراف كذلك يجب عليه أن يراقب التجمع،الحركة،الحزب،التيار الذي ينتمي إليه خوفاً من الانحراف لأن الإنسان يتأثر ويؤثر بالمحيط من حوله،فهذا فرعون المنحرف النموذج السيئ للانحراف أستطاع أن يحرف أمة كاملة قال تعالى: ((يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ)) كذلك الأمم المنحرفة في الغالب تحرف أفرادها والعكس كذلك صحيح فربما يهدي الشخص الواحد الصالح أمة كاملة كما فعل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وكما فعل السيد محمد الصدر(قدس سره) وربما تهدي الأمة وتكون سبباً في هداية أفرادها.
بعد ذلك تطرق سماحته إلى أسباب الانحراف والأسباب الداعية إليه كالانطلاق لا عن بصيرة وعدم التعقل في اتخاذ القرارات والتوجه الدنيوي والتأثر بالمحيط الفاسد وغيرها.
وأوصى سماحته بالتعقل والتمسك بالقرآن الكريم وأهل البيت(عليهم السلام) قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):((إني تارك فيكم الثقلين :كتاب الله،وعترتي أهل بيتي،ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا ً)).